أحمد بن محمد المقري التلمساني

341

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ويشكوه ، فأجابه على ظهر كتابه : الحمد للّه الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطئ وافد أهل العراق إلينا ، وابن رفاعة أولى بالرضا عنه من السخط ، فدعه لشأنه ، وأقدم بالرجل غير منتقص من تكرمته ، فسوف يعليه الاختبار إن شاء اللّه تعالى أو يحطّه . وبعض المؤرخين يزعم أن وفادة أبي علي القالي إنما كانت في خلافة الحكم المستنصر بالأندلس ، لا في خلافة أبيه الناصر ، والصواب أن وفادته في أيام الناصر ؛ لما ذكره غير واحد من حصره وعيّه عن الخطبة يوم احتفال الناصر لرسول الإفرنج كما ألمعنا به في غير هذا الموضع . وفي القالي يقول شاعر الأندلس الرمادي : [ بحر الكامل ] من حاكم بيني وبين عذولي ؟ * الشجو شجوي والعويل عويلي « 1 » في أي جارحة أصون معذّبي * سلمت من التعذيب والتنكيل إن قلت في بصري فثم مدامعي * أو قلت في قلبي فثمّ غليلي « 2 » لكن جعلت له المسامع موضعا * وحجبتها عن عذل كلّ عذول ولمّا سمع المتنبي البيت الثاني قال : يصونه في استه . وكان الرمادي لمّا سمع قول المتنبي : [ بحر البسيط ] كفى بجسمي نحولا أنني رجل * لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني قال : أظنّه ضرطة ، والجزاء من جنس العمل . وباسم أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله طرّز الشيخ أبو علي القالي كتاب « الأمالي » . وكان الحكم كريما ، معنيّا بالعلم ، وهو الذي وجّه إلى الحافظ أبي الفرج الأصبهاني ألف دينار على أن يوجّه له نسخة من كتاب الأغاني ، وألّف أبو محمد الفهري كتابا في نسب أبي علي البغدادي ورواياته ودخوله الأندلس . وحكى ابن الطيلسان عن ابن جابر أنه قرأ هذين البيتين في لوح رخام كان سقط من القبّة المبنيّة على قبر أبي علي البغدادي عند تهدّمها ، وهما : [ بحر الطويل ]

--> ( 1 ) الشجو : الحزن . والعويل : البكاء . ( 2 ) الغليل : حرقة الباطن من حزن أو عطش .